الجواد الكاظمي
419
مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام
ذلك داخل تحت الزجر والنهي ، فما كان اللفظ موضوعا له كان منهيّا عنه بحسب اللَّفظ ، وما لم يكن اللَّفظ موضوعا له كان داخلا بطريق الأولويّة . « الَّذِي جَمَعَ مالًا وعَدَّدَهُ » بدل من الكلّ أو نصب على الذّم ، وإنّما وصفه تعالى بهذا الوصف لأنّه كالسّبب والعلَّة في الهمز واللمز وهو إعجابه بما جمع من المال ظانّا أنّ الفضل فيه ، ولأجل ذلك ينتقص غيره ، ولعلّ التنكير في « مالا » للتنبيه على أنّ ماله بالنسبة إلى مال الدّنيا حقير قليل فكيف يفتخر به . « يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ » وصفه تعالى بضرب آخر من الجهل والمراد أنّ المال طوّل أمله حتّى أصبح لفرط تعلَّقه وطول أمله يحسب أنّ ماله تركه خالدا في الدّنيا لا يموت « كَلَّا » حرف ردع أي ليس كما يظنّ أنّ المال أخلده ، وإنّما يخلده العلم والصّلاح ، ومنه قول عليّ عليه السّلام : مات خزّان المال وهم أحياء والعلماء باقون ما بقي الدّهر . أو أنّ « كلَّا » بمعنى حقّا . « لَيُنْبَذَنَّ » جواب القسم ، وذكره بلفظ النبذ الدالّ على الإهانة لما أنّه كان يعتقد أنّه من أهل الكرامة « فِي الْحُطَمَةِ » وهي الَّتي يحطم من وقع فيها وهي اسم من أسماء النّار ، والدّركة الثانية من دركاتها ، وقيل هي يحطم العظام وتأكل اللَّحوم حتّى يهجم على القلوب ، وعن النبيّ صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال ( 1 ) إنّ الملك ليأخذ الكافر فيكسره على صلبه ، كما توضع الخشبة على الرّكبة فتكسر ثمّ يرمى بها إلى النّار ، ولعلّ في ذكر جهنّم بهذا الاسم تنبيها على أنّ الهامز يكسر غيره ليضع قدره ، فيلقيه في الحضيض فيقول تعالى فالحطمة يكسرك ويلقيك في حضيض جهنّم ، لكنّ الهمز ليس يكسر على الحقيقة أما الحطمة فإنّها يكسر كسرا لا تبقى ولا تذر . « وما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ » تهويل للأمر « نارُ اللهِ » في الإضافة تفخيم ، والمراد أنّها نار لا كسائر النّيران « الْمُوقَدَةُ » الَّتي لا يخمد أبدا ، أو الموقدة بأمره أو بقدرته . وفي الحديث ( 2 ) أوقد عليها ألف سنة حتّى احمرّت ، وألف سنة حتّى ابيضّت
--> ( 1 ) أخرجه الإمام الرازي في تفسيره ج 32 ص 94 . ( 2 ) أخرجه الإمام الرازي ج 32 ص 94 وأخرجه الخازن في تفسيره ج 4 ص 406 عن الترمذي عن أبي هريرة .